صديق الحسيني القنوجي البخاري

247

فتح البيان في مقاصد القرآن

أن قَتْلَ أَخِيهِ طوع يده سهل عليه ، يقال تطوع الشيء أي سهل وانقاد ، وطوّعه فلان له أي سهله ، قال الهروي ، طوعت وطاوعت واحد ، يقال طاع له كذا إذا أتاه طوعا ، وفي ذكر تطويع نفسه له بعدما تقدم من قول قابيل لأقتلنك ، وقول هابيل لتقتلني ، دليل على أن التطويع لم يكن قد حصل له عند تلك المقاولة . فَقَتَلَهُ قال ابن جريج ومجاهد وغيرهما : روي أنه جهل كيف يقتل أخاه فجاءه إبليس بطائر أو حيوان غيره فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدي به قابيل ففعل وقيل غير ذلك مما يحتاج إلى تصحيح الرواية . أخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في الآية قالوا : فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال فأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنما له وهو نائم فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات فتركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفنه . وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل » « 1 » . واختلف في موضع قتله فقال ابن عباس : على جبل نود ، وقيل على عقبة حراء وقيل بالبصرة عند مسجدها الأعظم ، وكان عمر هابيل يوم قتل عشرين سنة . فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ قال ابن عباس : خسر دنياه وآخرته ، أما دنياه فأسخط والديه وبقي بلا أخ وأما آخرته فأسخط ربه وصار إلى النار . فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ أي يحفرها وينثر ترابها وينبش بمنقاره برجليه ويثيره على غراب ميت معه حتى واراه لِيُرِيَهُ اللّه أو الغراب كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ أي عورته وجيفته وما لا يجوز أن ينكشف من جسده ، قيل : إنه لما قتل أخاه لم يدر كيف يواريه لكونه أول ميت مات من بني آدم ، فبعث اللّه غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فحفر له ثم حثى عليه . فلما رآه قابيل قالَ يا وَيْلَتى كلمة تحسر وتحزن وتلهف وجزع ، والألف بدل من ياء المتكلم كأنه دعا ويلته أن تحضر في ذلك الوقت وتلزمه ، وقال الكرخي : أي يا هلاكي تعال ، والويلة الهلكة وتستعمل عند وقوع الداهية العظيمة ، وفيه اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب ، وأصل النداء أن يكون لمن يعقل وقد ينادى ما لا يعقل مجازا . أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ الذي وارى الغراب الآخر ، والكلام

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز باب 33 ، والأنبياء باب 1 ، والديات باب 2 ، والاعتصام باب 15 ، ومسلم في القسامة حديث 27 ، والترمذي في العلم باب 14 ، والنسائي في التحريم باب 1 ، وابن ماجة في الديات باب 1 ، وأحمد في المسند 1 / 383 ، 430 ، 433 .